فصل: تفسير الآيات (1- 20):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (44- 53):

{وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (44) وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ (45) وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (46) اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (47) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ (48) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50) وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (51) وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (53)}
قوله: {وَتَرَى الظالمين} أي: المشركين المكذبين بالبعث {لَمَّا رَأَوُاْ العذاب} أي: حين نظروا النار، وقيل: نظروا ما أعده الله لهم عند الموت {يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدّ مّن سَبِيلٍ} أي: هل إلى الرجعة إلى الدنيا من طريق؟ {وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خاشعين مِنَ الذل} أي: ساكنين متواضعين عند أن يعرضوا على النار لما لحقهم من الذلّ، والهوان، والضمير في عليها راجع إلى العذاب، وأنثه، لأن العذاب هو: النار، وقوله: {يُعْرَضُونَ} في محل نصب على الحال، لأن الرؤية بصرية، وكذلك خاشعين، ومن الذلّ يتعلق بخاشعين، أي: من أجله {يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِىّ} {من} هي التي لابتداء الغاية، أي: يبتدئ نظرهم إلى النار، ويجوز أن تكون تبعيضية، والطرف الخفيّ الذي يخفى نظره كالمصبور ينظر إلى السيف لما لحقهم من الذلّ، والخوف، والوجل. قال مجاهد: {مِن طَرْفٍ خَفِىّ} أي: ذليل قال: وإنما ينظرون بقلوبهم؛ لأنهم يحشرون عمياً، وعين القلب طرف خفيّ.
وقال قتادة، وسعيد بن جبير، والسدّي، والقرظي: يسارقون النظر من شدّة الخوف.
وقال يونس: إن {من} في {مِن طَرْفٍ} بمعنى الباء، أي: ينظرون بطرف ضعيف من الذلّ، والخوف، وبه قال الأخفش {وَقَالَ الذين ءامَنُواْ إِنَّ الخاسرين الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ القيامة} أي: أن الكاملين في الخسران هم: هؤلاء الذين جمعوا بين خسران الأنفس، والأهلين في يوم القيامة. أما خسرانهم لأنفسهم، فلكونهم صاروا في النار معذّبين بها، وأما خسرانهم لأهليهم، فلأنهم إن كانوا معهم في النار، فلا ينتفعون بهم، وإن كانوا في الجنة، فقد حيل بينهم، وبينهم. وقيل: خسران الأهل: أنهم لو آمنوا لكان لهم في الجنة أهل من الحور العين {أَلاَ إِنَّ الظالمين في عَذَابٍ مُّقِيمٍ} هذا يجوز أن يكون من تمام كلام المؤمنين. ويجوز أن يكون من كلام الله سبحانه أي: هم في عذاب دائم لا ينقطع.
{وَمَا كَانَ لَهُم مّنْ أَوْلِيَاء يَنصُرُونَهُم مّن دُونِ الله} أي: لم يكن لهم أعوان يدفعون عنهم العذاب، وأنصار ينصرونهم في ذلك الموطن من دون الله، بل هو المتصرّف سبحانه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن {وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ} أي: من طريق يسلكها إلى النجاة. ثم أمر سبحانه عباده بالاستجابة له، وحذرهم، فقال: {استجيبوا لِرَبّكُمْ مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ الله} أي: استجيبوا دعوته لكم إلى الإيمان به، وبكتبه، ورسله من قبل أن يأتي يوم لا يقدر أحد على ردّه، ودفعه، على معنى: من قبل أن يأتي من الله يوم لا يردّه أحد، أو لا يردّه الله بعد أن حكم به على عباده، ووعدهم به، والمراد به: يوم القيامة، أو يوم الموت {مَا لَكُمْ مّن مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ} تلجئون إليه، {وَمَا لَكُمْ مّن نَّكِيرٍ} أي: إنكار، والمعنى: ما لكم من إنكار يومئذٍ، بل تعترفون بذنوبكم.
وقال مجاهد {وَمَا لَكُمْ مّن نَّكِيرٍ} أي: ناصر ينصركم. وقيل: النكير بمعنى: المنكر، كالأليم بمعنى: المؤلم، أي: لا تجدون يومئذٍ منكراً لما ينزل بكم من العذاب قاله الكلبي، وغيره، والأوّل أولى. قال الزجاج: معناه: أنهم لا يقدرون أن ينكروا الذنوب التي يوقفون عليها {فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَمَا أرسلناك عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} أي: حافظاً تحفظ أعمالهم حتى تحاسبهم عليها، ولا موكلاً بهم رقيباً عليهم {إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ البلاغ} أي: ما عليك إلاّ البلاغ لما أمرت بإبلاغه، وليس عليك غير ذلك، وهذا منسوخ بآية السيف. {وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا} أي: إذا أعطيناه رخاء، وصحة، وغنى فرح بها بطراً، والمراد بالإنسان: الجنس، ولهذا قال: {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ} أي: بلاء، وشدّة، ومرض {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} من الذنوب {فَإِنَّ الإنسان كَفُورٌ} أي: كثير الكفر لما أنعم به عليه من نعمه، غير شكور له عليها، وهذا باعتبار غالب جنس الإنسان.
ثم ذكر سبحانه سعة ملكه، ونفاذ تصرّفه، فقال: {للَّهِ مُلْكُ السموات والأرض} أي: له التصرّف فيهما بما يريد، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع {يَخْلُقُ مَا يَشَاء} من الخلق {يَهَبُ لِمَن يَشَاء إناثا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذكور}. قال مجاهد، والحسن، والضحاك، وأبو مالك، وأبو عبيدة: يهب لمن يشاء إناثاً لا ذكور معهنّ، ويهب لمن يشاء ذكوراً لا إناث معهم. قيل: وتعريف الذكور بالألف، واللام للدّلالة على شرفهم على الإناث، ويمكن أن يقال: إن التقديم للإناث قد عارض ذلك، فلا دلالة في الآية على المفاضلة بل هي مسوقة لمعنى آخر.
وقد دلّ على شرف الذكور قوله سبحانه: {الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النساء بِمَا فَضَّلَ الله} [النساء: 34]، وغير ذلك من الأدلة الدّالة على شرف الذكور على الإناث. وقيل: تقديم الإناث لكثرتهنّ بالنسبة إلى الذكور. وقيل: لتطييب قلوب آبائهنّ، وقيل لغير ذلك مما لا حاجة إلى التطويل بذكره {أَوْ يُزَوّجُهُمْ ذُكْرَاناً وإناثا} أي: يقرن بين الإناث، والذكور، ويجعلهم أزواجاً فيهبهما جميعاً لبعض خلقه. قال مجاهد: هو أن تلد المرأة غلاماً، ثم تلد جارية، ثم تلد غلاماً، ثم تلد جارية.
وقال محمد ابن الحنفية: هو: أن تلد توأماً غلاماً، وجارية.
وقال القتيبي: التزويج هنا هو الجمع بين البنين، والبنات تقول العرب: زوّجت إبلي: إذا جمعت بين الصغار، والكبار، ومعنى الآية أوضح من أن يختلف في مثله، فإنه سبحانه أخبر أنه يهب لبعض خلقه إناثاً، ويهب لبعض ذكوراً، ويجمع لبعض بين الذكور، والإناث {وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيماً} لا يولد له ذكر، ولا أنثى، والعقيم الذي لا يولد له، يقال: رجل عقيم، وامرأة عقيم، وعقمت المرأة تعقم عقماً، وأصله القطع، ويقال: نساء عقم، ومنه قول الشاعر:
عقم النساء فما يلدن شبي ** هه إن النساء بمثله عقم

{إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} أي: بليغ العلم عظيم القدرة {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلّمَهُ الله إِلاَّ وَحْياً} أي: ما صح لفرد من أفراد البشر أن يكلمه الله بوجه من الوجوه إلاّ بأن يوحي إليه، فيلهمه، ويقذف ذلك في قلبه قال مجاهد: نفث ينفث في قلبه، فيكون إلهاماً منه كما أوحى إلى أمّ موسى، وإلى إبراهيم في ذبح ولده {أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ} كما كلم موسى، يريد أن كلامه يسمع من حيث لا يرى، وهو: تمثيل بحال الملك المحتجب الذي يكلم خواصه من وراء حجاب {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء} أي: يرسل ملكاً، فيوحي ذلك الملك إلى الرّسول من البشر بأمر الله، وتيسيره ما يشاء أن يوحى إليه. قال الزجاج: المعنى: أن كلام الله للبشر: إما أن يكون بإلهام يلهمهم، أو يكلمهم من وراء حجاب كما كلم موسى، أو برسالة ملك إليهم. وتقدير الكلام: ما كان لبشر أن يكلمه الله إلاّ أن يوحي وحياً، أو يكلمه من وراء حجاب، أو يرسل رسولاً. ومن قرأ: {يرسل} رفعاً أراد: وهو يرسل، فهو ابتداء، واستئناف. ا ه. قرأ الجمهور بنصب: {أَوْ يُرْسِلَ}، وبنصب: {فَيُوحِىَ} على تقدير أن، وتكون أن، وما دخلت عليه معطوفين على وحياً، ووحياً في محلّ الحال، والتقدير: إلاّ موحياً، أو مرسلاً، ولا يصح عطف، أو يرسل على أن يكلمه لأنه يصير التقدير: وما كان لبشر أن يرسل الله رسولاً، وهو فاسد لفظاً، ومعنى.
وقد قيل: في توجيه قراءة الجمهور غير هذا مما لا يخلو عن ضعف. وقرأ نافع: {أو يرسل} بالرفع، وكذلك: {فيوحى} بإسكان الياء على أنه خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: أو هو يرسل كما قال الزجاج، وغيره، وجملة: {إِنَّهُ عَلِىٌّ حَكِيمٌ} تعليل لما قبلها، أي: متعال عن صفات النقص، حكيم في كل أحكامه.
قال المفسرون: سبب نزول هذه الآية: أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا تكلم الله، وتنظر إليه إن كنت نبياً كما كلمه موسى، فنزلت: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا} أي: وكالوحي الذي أوحينا إلى الأنبياء قبلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا، المراد به: القرآن. وقيل: النبوّة. قال مقاتل: يعني: الوحي بأمرنا، ومعناه: القرآن، لأنه يهتدى به، ففيه حياة من موت الكفر. ثم ذكر سبحانه صفة رسوله قبل أن يوحى إليه، فقال: {مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الكتاب} أي: أيّ شيء هو، لأنه صلى الله عليه وسلم كان أمياً لا يقرأ، ولا يكتب، وذلك أدخل في الإعجاز، وأدلّ على صحة نبوّته، ومعنى: {وَلاَ الإيمان}: أنه كان لا يعرف تفاصيل الشرائع، ولا يهتدي إلى معالمها، وخص الإيمان؛ لأنه رأسها، وأساسها.
وقيل: أراد بالإيمان هنا: الصلاة. قال بهذا: جماعة من أهل العلم منهم: إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة، واحتجّ بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم} [البقرة: 143] يعني: الصلاة، فسماها إيماناً.
وذهب جماعة إلى أن الله سبحانه لم يبعث نبياً إلاّ وقد كان مؤمناً به، وقالوا: معنى الآية: ما كنت تدري قبل الوحي كيف تقرأ القرآن، ولا كيف تدعو الخلق إلى الإيمان. وقيل: كان هذا قبل البلوغ حين كان طفلاً، وفي المهد.
وقال الحسين بن الفضل: إنه على حذف مضاف، أي: ولا أهل الإيمان. وقيل: المراد بالإيمان دين الإسلام. وقيل: الإيمان هنا عبارة عن الإقرار بكل ما كلف الله به العباد {ولكن جعلناه نُوراً نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَاء} أي: ولكن جعلنا الروح الذي أوحيناه إليك ضياءً، ودليلاً على التوحيد، والإيمان نهدي به من نشاء هدايته {مّنْ عِبَادِنَا} ونرشده إلى الدين الحقّ {وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ} قال قتادة، والسدّي، ومقاتل: وإنك لتدعو إلى الإسلام، فهو: الصراط المستقيم. قرأ الجمهور: {لتهدي} على البناء للفاعل. وقرأ ابن حوشب على البناء للمفعول. وقرأ ابن السميفع بضمّ التاء، وكسر الدّال من أهدي، وفي قراءة أبيّ: {وإنك لتدعو}، ثم بيّن الصراط المستقيم بقوله: {صراط الله الذي لَهُ مَا في السموات وَمَا فِي الأرض}، وفي هذه الإضافة للصراط إلى الاسم الشريف من التعظيم له، والتفخيم لشأنه ما لا يخفى، ومعنى: {لَّهُ مَا فِي السموات وَفِى الأرض}: أنه المالك لذلك، والمتصرّف فيه {أَلاَ إِلَى الله تَصِيرُ الأمور} أي: تصير إليه يوم القيامة لا إلى غيره جميع أمور الخلائق، وفيه وعيد بالبعث المستلزم للمجازاة.
وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِىّ} قال: ذليل.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن مجاهد مثله.
وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن محمد بن كعب قال: يسارقون النظر إلى النار.
وأخرج ابن مردويه، وابن عساكر عن واثلة بن الأسقع، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من بركة المرأة ابتكارها بالأنثى، لأن الله قال: {يَهَبُ لِمَن يَشَاء إناثا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذكور}».
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيماً} قال: الذي لا يولد له.
وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلّمَهُ الله إِلاَّ وَحْياً} قال: إلاّ أن يبعث ملكاً يوحي إليه من عنده، أو يلهمه، فيقذف في قلبه، أو يكلمه من وراء حجاب.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا} قال: القرآن.
وأخرج أبو نعيم في الدلائل، وابن عساكر عن عليّ قال: قيل لمحمد: هل عبدت وثناً قط؟ قال: «لا قالوا: فهل شربت خمراً قط؟ قال: لا، وما زلت أعرف أن الذي هم عليه كفر، وما كنت أدري ما الكتاب، ولا الإيمان» وبذلك نزل القرآن {مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الكتاب وَلاَ الإيمان}.

.سورة الزخرف:

هي تسع وثمانون آية.
قال القرطبي: هي مكية بالإجماع.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة حم الزخرف بمكة.
قال مقاتل: إلا قوله: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا} يعني فإنها نزلت بالمدينة.

.تفسير الآيات (1- 20):

{حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (4) أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (5) وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (6) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (7) فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (8) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (9) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (10) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (11) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (12) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (14) وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (15) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (16) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (17) أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (18) وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (20)}
قوله: {حم * والكتاب المبين} الكلام ها هنا في الإعراب كالكلام الذي قدّمناه في {يس * والقرءان الحكيم} [يس: 1، 2]، فإن جعلت {حم} قسماً كانت الواو عاطفة، وإن لم تجعل قسماً، فالواو للقسم، وجواب القسم {إِنَّا جعلناه}، وقال ابن الأنباري: من جعل جواب، والكتاب: {حم} كما تقول: نزل والله، وجب والله وقف على {الكتاب المبين}، ومعنى {جعلناه}، أي: سميناه، ووصفناه، ولذلك تعدّى إلى مفعولين.
وقال السدّي: المعنى: أنزلناه {قُرْءاناً}.
وقال مجاهد: قلناه.
وقال سفيان الثوري: بيناه {عَرَبِيّاً}، وكذا قال الزجاج، أي: أنزل بلسان العرب، لأن كلّ نبي أنزل كتابه بلسان قومه.
وقال مقاتل: لأن لسان أهل الجنة عربيّ {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي: جعلنا ذلك الكتاب قرآناً عربياً لكي تفهموه، وتتعقلوا معانيه، وتحيطوا بما فيه. قال ابن زيد: لعلكم تتفكرون. {وَإِنَّهُ في أُمّ الكتاب} أي: وإن القرآن في اللوح المحفوظ {لَدَيْنَا} أي: عندنا {لَعَلِىٌّ حَكِيمٌ} رفيع القدر محكم النظم لا يوجد فيه اختلاف، ولا تناقض، والجملة عطف على الجملة المقسم بها داخلة تحت معنى القسم، أو مستأنفة مقرّرة لما قبلها. قال الزجاج: {أمّ الكتاب}: أصل الكتاب، وأصل كلّ شيء: أمه، والقرآن مثبت عند الله في اللوح المحفوظ كما قال: {بَلْ هُوَ قُرْءانٌ مَّجِيدٌ * في لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ} [البروج: 21، 22] وقال ابن جريج: المراد بقوله: {وَأَنَّهُ} أعمال الخلق من إيمان، وكفر، وطاعة، ومعصية. قال قتادة: أخبر عن منزلته، وشرفه، وفضله، أي: إن كذبتم به يا أهل مكة، فإنه عندنا شريف رفيع محكم من الباطل. {أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذكر صَفْحاً} يقال: ضربت عنه، وأضربت عنه: إذا تركته، وأمسكت عنه، كذا قال الفراء، والزجاج، وغيرهما، وانتصاب {صفحاً} على المصدرية، وقيل: على الحال، على معنى: أفنضرب عنكم الذكر صافحين، والصفح مصدر قولهم: صفحت عنه إذا أعرضت عنه، وذلك أنك توليه صفحة وجهك، وعنقك، والمراد بالذكر هنا: القرآن، والاستفهام للإنكار، والتوبيخ. قال الكسائي: المعنى: أفنضرب عنكم الذكر طياً فلا توعظون، ولا تؤمرون.
وقال مجاهد، وأبو صالح، والسدّي: أفنضرب عنكم العذاب، ولا نعاقبكم على إسرافكم، وكفركم.
وقال قتادة: المعنى: أفنهلككم، ولا نأمركم، ولا ننهاكم؟ وروي عنه: أنه قال: المعنى: أفنمسك عن إنزال القرآن من قبل أنكم لا تؤمنون به؟ وقيل: الذكر: التذكير، كأنه قال: أنترك تذكيركم {أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ}، قرأ نافع، وحمزة، والكسائي: {إن كنتم} بكسر {إن} على أنها الشرطية، والجزاء محذوف لدلالة ما قبله عليه. وقرأ الباقون بفتحها على التعليل، أي: لأن كنتم قوماً منهمكين في الإسراف مصرّين عليه، واختار أبو عبيد قراءة الفتح. ثم سلى سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال: {وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيّ في الأولين} كم هي الخبرية التي معناها: التكثير، والمعنى: ما أكثر ما أرسلنا من الأنبياء في الأمم السابقة {وَمَا يَأْتِيهِم مّنْ نَّبِىّ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ} كاستهزاء قومك بك {فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً} أي: أهلكنا قوماً أشدّ قوّة من هؤلاء القوم، وانتصاب {بطشاً} على التمييز أو الحال، أي: باطشين {ومضى مَثَلُ الأولين} أي: سلف في القرآن ذكرهم غير مرة.
وقال قتادة: عقوبتهم، وقيل: صفتهم، والمثل: الوصف والخبر. وفي هذا تهديد شديد، لأنه يتضمن أن الأوّلين أهلكوا بتكذيب الرسل، وهؤلاء إن استمروا على تكذيبك والكفر بما جئت به هلكوا مثلهم. {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السموات والارض لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العزيز العليم} أي: لئن سألت هؤلاء الكفار من قومك من خلق هذه الأجرام العلوية والسفلية؟ أقرّوا بأن الله خالقهنّ ولم ينكروا، وذلك أسوأ لحالهم وأشدّ لعقوبتهم، لأنهم عبدوا بعض مخلوقات الله وجعلوه شريكاً له، بل عمدوا إلى ما لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يضرّ من المخلوقات وهي: الأصنام فجعلوها شركاء لله. ثم وصف سبحانه نفسه بما يدلّ على عظيم نعمته على عباده وكمال قدرته في مخلوقاته فقال: {الذى جَعَلَ لَكُمُ الأرض مهادا} وهذا كلام مبتدأ غير متصل بما قبله، ولو كان متصلاً بما قبله من جملة مقول الكفار لقالوا: الذي جعل لنا الأرض مهاداً، والمهاد: الفراش والبساط، وقد تقدّم بيانه، قرأ الجمهور: {مهاداً} وقرأ الكوفيون {مهداً} {وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً} أي طرقاً تسلكونها إلى حيث تريدون، وقيل: معايش تعيشون بها {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} بسلوكها إلى مقاصدكم ومنافعكم. {والذى نَزَّلَ مِنَ السماء مَاء بِقَدَرٍ} أي: بقدر الحاجة وحسبما تقتضيه المصلحة ولم ينزل عليكم منه فوق حاجتكم حتى يهلك زرائعكم ويهدم منازلكم ويهلككم بالغرق، ولا دونها حتى تحتاجوا إلى الزيادة، وعلى حسب ما تقتضيه مشيئته في أرزاق عباده بالتوسيع تارة والتقتير أخرى {فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً} أي: أحيينا بذلك الماء بلدة مقفرة من النبات. قرأ الجمهور: {ميتاً} بالتخفيف. وقرأ عيسى وأبو جعفر بالتشديد {كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} من قبوركم، أي: مثل ذلك الإحياء للأرض بإخراج نباتها بعد أن كانت لا نبات بها تبعثون من قبوركم أحياء، فإن من قدر على هذا قدر على ذلك، وقد مضى بيان هذا في آل عمران والأعراف. قرأ الجمهور: {تخرجون} مبنياً للمفعول، وقرأ الأعمش، ويحيى بن وثاب، وحمزة، والكسائي، وابن ذكوان عن ابن عامر مبنياً للفاعل. {والذى خَلَقَ الأزواج كُلَّهَا} المراد بالأزواج هنا: الأصناف، قال سعيد بن جبير: الأصناف كلها.
وقال الحسن: الشتاء والصيف، والليل والنهار، والسموات والأرض، والجنة والنار. وقيل: أزواج الحيوان من ذكر وأنثى، وقيل: أزواج النبات، كقوله: {وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [ق: 7] و: {مِن كُلّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} [الشعراء: 7] وقيل: ما يتقلب فيه الإنسان من خير وشرّ، وإيمان وكفر، والأوّل أولى {وَجَعَلَ لَكُمْ مّنَ الفلك والأنعام مَا تَرْكَبُونَ} في البحر والبرّ، أي: ما تركبونه {لِتَسْتَوُواْ على ظُهُورِهِ} الضمير راجع إلى ما قاله أبو عبيد.
وقال الفراء: أضاف الظهور إلى واحد، لأن المراد به: الجنس، فصار الواحد في معنى الجمع بمنزلة الجنس فلذلك ذكر، وجمع الظهر لأن المراد ظهور هذا الجنس، والاستواء: الاستعلاء، أي: لتستعلوا على ظهور ما تركبون من الفلك والأنعام {ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبّكُمْ إِذَا استويتم عَلَيْهِ} أي: هذه النعمة التي أنعم بها عليكم من تسخير ذلك المركب في البحر والبرّ.
وقال مقاتل والكلبي: هو أن يقول: الحمد لله الذي رزقني هذا وحملني عليه {وَتَقُولُواْ سبحان الذي سَخَّرَ لَنَا هذا} أي: ذلل لنا هذا المركب، وقرأ عليّ بن أبي طالب: {سبحان من سخر لنا هذا} قال قتادة: قد علمكم كيف تقولون إذا ركبتم، ومعنى {وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ}: ما كنا له مطيقين، يقال: أقرن هذا البعير: إذا أطاقه.
وقال الأخفش وأبو عبيدة: مقرنين: ضابطين، وقيل: مماثلين له في القوّة، من قولهم: هو قرن فلان إذا كان مثله في القوّة، وأنشد قطرب قول عمرو بن معديكرب:
لقد علم القبائل ما عقيل ** لنا في النائبات بمقرنينا

وقال آخر:
ركبتم صعبتي أشراً وحيفا ** ولستم للصعاب بمقرنينا

والمراد بالأنعام هنا: الإبل خاصة، وقيل الإبل والبقر، والأوّل أولى {وَإِنَّا إلى رَبّنَا لَمُنقَلِبُونَ} أي: راجعون إليه، وهذا تمام ما يقال عند ركوب الدابة أو السفينة. ثم رجع سبحانه إلى ذكر الكفار الذين تقدّم ذكرهم، فقال: {وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءا} قال قتادة: أي: عدلاً، يعني: ما عبد من دون الله.
وقال الزجاج والمبرد: الجزء هنا: البنات، والجزء عند أهل العربية: البنات، يقال: قد أجزأت المرأة: إذا ولدت البنات، ومنه قول الشاعر:
إن أجزأت حرّة يوماً فلا عجب ** قد تجزئ الحرّة المذكار أحياناً

وقد جعل صاحب الكشاف تفسير الجزء بالبنات من بدع التفسير، وصرح بأنه مكذوب على العرب. ويجاب عنه بأنه قد رواه الزجاج والمبرد، وهما إماما اللغة العربية وحافظاها ومن إليهما المنتهى في معرفتها، ويؤيد تفسير الجزء بالبنات ما سيأتي من قوله: {أَمِ اتخذ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ} وقوله: {وَإِذَا بُشّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ للرحمن} وقوله: {وَجَعَلُواْ الملئكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إناثا} وقيل: المراد بالجزاء هنا: الملائكة؛ فإنهم جعلوهم أولاداً لله سبحانه قاله مجاهد والحسن. قال الأزهري: ومعنى الآية: أنهم جعلوا لله من عباده نصيباً، على معنى: أنهم جعلوا نصيب الله من الولدان {إِنَّ الإنسان لَكَفُورٌ مُّبِينٌ} أي: ظاهر الكفران مبالغ فيه، قيل: المراد بالإنسان هنا: الكافر، فإنه الذي يجحد نعم الله عليه جحوداً بيناً.
ثم أنكر عليهم هذا فقال: {أَمِ اتخذ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ} وهذا استفهام تقريع وتوبيخ. وأم هي: المنقطعة، والمعنى: أتخذ ربكم لنفسه البنات {وأصفاكم بالبنين} فجعل لنفسه المفضول من الصنفين ولكم الفاضل منهما، يقال: أصفيته بكذا، أي: آثرته به، وأصفيته الودّ: أخلصته له، ومثل هذه الآية قوله: {أَلَكُمُ الذكر وَلَهُ الأنثى * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضيزى} [النجم: 21، 22] وقوله: {أفأصفاكم رَبُّكُم بالبنين} [الإسراء: 40] وجملة: {وأصفاكم} معطوفة على {اتخذ} داخلة معها تحت الإنكار. ثم زاد في تقريعهم وتوبيخهم فقال: {وَإِذَا بُشّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ للرحمن مَثَلاً} أي بما جعله للرحمن سبحانه من كونه جعل لنفسه البنات، والمعنى: أنه إذا بشر أحدهم بأنها ولدت له بنت اغتمّ لذلك وظهر عليه أثره، وهو معنى قوله: {ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّا} أي: صار وجهه مسودًّا بسبب حدوث الأنثى له حيث لم يكن الحادث له ذكراً مكانها {وَهُوَ كَظِيمٌ} أي: شديد الحزن كثير الكرب مملوء منه. قال قتادة: حزين.
وقال عكرمة: مكروب، وقيل: ساكت، وجملة {وَهُوَ كَظِيمٌ} في محل نصب على الحال. ثم زاد في توبيخهم وتقريعهم فقال: {أَوْ من يُنَشَّأُ في الحلية وَهُوَ في الخصام غَيْرُ مُبِينٍ} معنى ينشأ: يربى، والنشوء: التربية، والحلية: الزينة، و{من} في محل نصب بتقدير مقدّر معطوف على {جعلوا}؛ والمعنى: أو جعلوا له سبحانه من شأنه أن يربى في الزينة وهو عاجز عن أن يقوم بأمور نفسه، وإذا خوصم لا يقدر على إقامة حجته ودفع ما يجادله به خصمه لنقصان عقله وضعف رأيه؟ قال المبرد: تقدير الآية: أو يجعلون له من ينشأ في الحلية، أي: ينبت في الزينة؟ قرأ الجمهور: {ينشأ} بفتح الياء وإسكان النون، وقرأ ابن عباس والضحاك، وابن وثاب، وحفص، وحمزة، والكسائي، وخلف بضم الياء وفتح النون وتشديد الشين. واختار القراءة الأولى أبو حاتم، واختار الثانية أبو عبيد. قال الهروي: الفعل على القراءة الأولى لازم، وعلى الثانية متعدّ. والمعنى: يربى ويكبر في الحلية. قال قتادة: قلما تتكلم امرأة بحجتها إلاّ تكلمت بالحجة عليها.
وقال ابن زيد والضحاك: الذي ينشأ في الحلية أصنامهم التي صاغوها من ذهب وفضة. {وَجَعَلُواْ الملئكة الذين هُمْ عِندَ الرحمن إناثا} الجعل هنا بمعنى القول والحكم على الشيء كما تقول: جعلت زيداً أفضل الناس، أي: قلت بذلك، وحكمت له به. قرأ الكوفيون: {عباد} بالجمع، وبها قرأ ابن عباس. وقرأ الباقون: {عند الرحمن} بنون ساكنة، واختار القراءة الأولى أبو عبيد، لأن الإسناد فيها أعلى، ولأن الله إنما كذبهم في قوله: إنهم بنات الله، فأخبرهم أنهم عباده، ويؤيد هذه القراءة قوله: {بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ} [الأنببياء: 26]، واختار أبو حاتم القراءة الثانية، قال: وتصديق هذه القراءة قوله: {إِنَّ الذين عِندَ رَبّكَ} [الأعراف: 206]، ثم وبخهم، وقرعهم، فقال: {أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ} أي: أحضروا خلق الله إياهم، فهو من الشهادة التي هي: الحضور، وفي هذا تهكم بهم، وتجهيل لهم. قرأ الجمهور: {أشهدوا} على الاستفهام بدون واو. وقرأ نافع: {أو اشهدوا}. وقرأ الجمهور: {سَتُكْتَبُ شهادتهم} بضم التاء الفوقية، وبناء الفعل للمفعول، ورفع شهادتهم، وقرأ السلمي، وابن السميفع، وهبيرة عن حفص بالنون، وبناء الفعل للفاعل، ونصب شهادتهم، وقرأ أبو رجاء: {شهاداتهم} بالجمع، والمعنى: سنكتب هذه الشهادة التي شهدوا بها في ديوان أعمالهم، لنجازيهم على ذلك {وَيُسْئَلُونَ} عنها يوم القيامة. {وَقَالُواْ لَوْ شَاء الرحمن مَا عبدناهم} هذا فنّ آخر من فنون كفرهم بالله جاءوا به للاستهزاء، والسخرية، ومعناه: لو شاء الرحمن في زعمكم ما عبدنا هذه الملائكة، وهذا كلام حقّ يراد به باطل، وقد مضى بيانه في الأنعام، فبيّن سبحانه جهلهم بقوله: {مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ} أي: ما لهم بما قالوه من أن الله لو شاء عدم عبادتهم للملائكة ما عبدوهم من علم، بل تكلموا بذلك جهلاً، وأرادوا بما صورته صورة الحقّ باطلاً، وزعموا أنه إذا شاء، فقد رضي. ثم بيّن انتفاء علمهم بقوله: {إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} أي: ما هم إلاّ يكذبون، فيما قالوا، ويتمحلون تمحلاً باطلاً. وقيل: الإشارة بقوله: {ذلك} إلى قوله: {وَجَعَلُواْ الملئكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إناثا}. قاله قتادة، ومقاتل، والكلبي، وقال مجاهد، وابن جريج أي: ما لهم بعبادة الأوثان من علم.
وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إن أوّل ما خلق الله من شيء القلم، وأمره أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، والكتاب عنده، ثم قرأ: {وَإِنَّهُ في أُمّ الكتاب لَدَيْنَا لَعَلِىٌّ حَكِيمٌ}.
وأخرج ابن مردويه نحوه عن أنس مرفوعاً.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذكر صَفْحاً} قال: أحببتم أن يصفح عنكم، ولم تفعلوا ما أمرتم به.
وأخرج مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، والحاكم، وابن مردويه عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر ركب راحلته، ثم كبر ثلاثاً، ثم قال: {سبحان الذي سَخَّرَ لَنَا هذا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إلى رَبّنَا لَمُنقَلِبُونَ}.

وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} قال: مطيقين.
وأخرج عبد بن حميد عنه {أَوْ مِن يُنَشَّأُ في الحلية} قال: هو النساء فرق بين زيهنّ، وزيّ الرجال، ونقصهنّ من الميراث، وبالشهادة، وأمرهنّ بالقعدة، وسماهنّ الخوالف.
وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن سعيد بن جبير قال: كنت أقرأ هذا الحرف {الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إناثا}، فسألت ابن عباس فقال: عباد الرحمن؟ قلت: فإنها في مصحفي عند الرحمن قال: فامحها، واكتبها {عِبَادُ الرحمن}.